صديق الحسيني القنوجي البخاري

14

فتح البيان في مقاصد القرآن

لاح له شارد من بعيد اقتنصه أو وجد موضعا له فيه أدنى مجال سارع إليه ، كما نقل عن البلقيني أنه قال استخرجت من الكشاف اعتزالا بالمناقيش ، منها أنه قال في قوله سبحانه وتعالى : فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ [ آل عمران : 185 ] أي فوز أعظم من دخول الجنة ، وأشار به إلى عدم الرؤية . والملحد لا تسأل عن كفره وإلحاده في آيات اللّه وافترائه على اللّه ما لم يقله ، كقول بعضهم في تفسير قوله تعالى : إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ [ الأعراف : 155 ] ما على العباد أضر من ربهم ، وينسب هذا القول إلى صاحب قوت القلوب . ومن ذلك القبيل الذين يتكلمون في القرآن بلا سند ولا نقل عن السلف ، ولا رعاية للأصول الشرعية ، والقواعد العربية ، كتفسير محمود بن حمزة الكرماني ضمنه أقوالا هي عجائب عند العوام ، وغرائب عما عهد عن السلف الكرام ، وهي أقوال منكرة لا يحل الاعتقاد عليها ولا ذكرها إلا للتحذير . ومن ذلك قول من قال في : رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [ البقرة : 286 ] إنه الحب والعشق ، ومن ذلك قولهم في : وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ [ الفلق : 2 ] إنه الذكر إذا قام ، وقولهم في : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ [ البقرة : 255 ] معناه من ذل أي من الذل وذي إشارة إلى النفس ، ويشف من الشفاء جواب « من » و ( ع ) أمر من الوعي . وسئل البلقيني عمن فسر بهذا فأفتى بأنه ملحد . قلت : وقد نبغت في هذا الزمان طائفة تفسر القرآن برأيها ، وتحذف منه الآيات المتواليات تسمى بالنيفرية ، وهم الذين أنكروا وجود الملائكة والجن والشياطين إلى غير ذلك ، وقد عمت فتنتهم بلاد الهند الإسلامية ، فرّق اللّه جمعهم ، وبدد شملهم وأنزل بهم بأسه الذي لا يرده عن القوم المجرمين . وأما كلام الصوفية في القرآن فليس بتفسير ، قال ابن الصّلاح في فتاواه : وجدت عن الإمام الواحدي أنه قال : صنف السلمي حقائق التفسير إن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر . قال النسفي في عقائده : النصوص تحمل على ظواهرها والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطن إلحاد ، وقال التفتازاني في شرحه : سميت الملاحدة باطنية لا دعائهم أن النصوص ليست على ظواهرها بل لها معان باطنة . قال صاحب مفتاح السعادة : الإيمان بالقرآن هو التصديق بأنه كلام اللّه سبحانه قد أنزل على رسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بواسطة جبرائيل عليه السّلام ، وأنه دال على صفة أزلية له سبحانه ، وأن ما دل هو عليه بطريق القواعد العربية مما هو مراد اللّه سبحانه حق لا ريب فيه ، ثم تلك الدلالة على مراده سبحانه بواسطة القوانين الأدبية الموافقة للقواعد الشرعية